وقائع علاقة الاستخبارات السعودية والأميركية في سوريا

ما هي طبيعة العلاقة الاستخباراتية بين السعودية والولايات المتحدة الأميركية ، وضمن أية آفاق تتفاعل ولمصلحة أية أهداف وكيف كان دورها المستمر داخل الأزمة السورية وأزمات عالمية أخرى ؟

هذا السؤال مطروح بقوة من قبل متابعين ومهتمين بحالة الاستقرار في المنطقة ، وبتقديم أجوبة شافية عن سياسات التآمر السرية التي تُمارس من خلالها واشنطن سياسات تناقض أهدافها المعلنة بخصوص السعي لنشر الديموقراطية وضمان حقوق الانسان عبر العالم .

ضمن الإجابة عن السؤال الآنف تجدر بداية التوقف عند الملاحظات الأساسية التالية :

أولا” – مرت علاقات التعاون بين الاستخبارات الأميركية والسعودية بعدة مراحل خلال الفترة الأخيرة من تاريخها، الأولى كانت بين عامي 2011 و 2012 عندما تمت صياغة برنامج Timber Sycamore السري الذي يسمح للرياض بتمويل صفقات سلاح تجمعها السي آي اي لمصلحة المعارضة السورية . المرحلة الثانية جاءت في نهايات العام 2012 حيث أنّب  ديفيد بترايوس، مدير السي آي اي آنذاك، عدد من مسؤولي الأجهزة الأمنية الخليجية في لقاء خاص بهم في عمان  لإرسالهم السلاح الى سوريا بدون التنسيق مع ضباط السي آي اي في الأردن وتركيا. ولكن بعد مرور عدة أشهر بدأت المرحلة الثالثة على تطبيق برنامج التدريب السري ، حيث أعطى الرئيس أوباما موافقته على تزويد المعارضين السوريين بالسلاح انطلاقا” من قاعدة في الأردن استحدثت لهذا الغرض (قاعدة ” الموك “)  . 

الملاحظة الثانية، بأنه في ظل الترتيب الأميركي الجديد ، تولت السي آي اي أعمال التدريب العسكري بينما تولت المخابرات السعودية ( ادارة المخابرات العامة السعودية) تأمين المال والسلاح ومن بينها صواريخ تاو (TOW) المضادة للدبابات . بدورهم قدم القطريون دعما” ماليا” وأمنوا قاعدة للتدريب في بلادهم. ولكن، يشير المسؤولون الأميركيون الى أن المساهمة المالية السعودية هي الأكبر .

 وضمن هذه الملاحظة يمكن ادراج حقيقة أن السعودية طالما قدمت سابقا” أموالا بدون شروط لعمليات السي آي اي الخاصة، ولكنها في هذه الفترة  تقدم الأموال من أجل البرنامج السوري بكل حماسة . يقول بروس ريدل ، الباحث في مركز بروكينغز والمحلل السابق في سي آي اي، أن هدف الرياض من ذلك هو تحقيق طموحها بالجلوس على طاولة المفاوضات حول سوريا والى تحديد بنود أجندة المحادثات المقبلة .

ما هي قصة هذه المرحلة الاستخباراتية الأميركية – السعودية الممتدة من بدايات عام 2012 والمستمرة حتى الآن ، والمتركزة لحد بعيد على تمويل المعارضة السورية ؟

عندما وافق الرئيس الأميركي باراك أوباما على بدء المخابرات الأميركية ( سي آي اي ) بدعم وتسليح المعارضة السورية في العام 2013 كان يعلم بأن الوكالة ستجد شريكا” مساعدا” لتمويل عملياتها الخاصة دون عناء . انه الشريك نفسه الذي اعتمدت عليه السي آي اي لسنوات طويلة لتأمين التمويل لتغطية العمليات الأمنية الخاصة في أماكن ساخنة بعيدة، أي المملكة العربية السعودية.

منذ ذلك التاريخ بدأت المخابرات الأميركية والسعودية بتنظيم المهمات التدريبية للمسلحين المتمردين . وأطلق الجانب الأميركي تسمية ( تيمبر سيكامور) على البرنامج السري المشترك. في هذا الاطار يقول مسؤولون في الادارة الأميركية أن السعوديين أمنوا السلاح والمال ، وفي المقابل قام الأميركيون بتأمين تدريب المسلحين السوريين على استخدام الأسلحة الخفيفة والصواريخ المضادة للدروع.

ان عملية دعم المتمردين السوريين ليست المهمة الوحيدة المشتركة بين المخابرات الأميركية والسعودية، وإنما هذا التعاون وهذا الحلف مستمر منذ فضيحة “ايران – غيت” و “كونترا – غيت” في منتصف الثمانينيات ، حيث جرى تسليح المجاهدين الأفغان لمحاربة الاتحاد السوفياتي ، وجرى استخدام أطراف ثالثة في صراعات مسلحة في أفريقيا . أحيانا” مثلما يحصل في سوريا ، يعمل الطرفان سويا” . ولكن في أماكن أخرى يتوزعان المهمات : السعودية تؤمن التمويل وأميركا تدير العمليات السرية .

البرنامج المشترك لتسليح وتدريب المعارضة السورية لا يزال قائما” حتى الآن ، وباشتراك دول أخرى في الشرق الأوسط ، وذلك في ظل تبدل الموقع السعودي في معادلات المنطقة . فان الروابط التاريخية المتعلقة بالجغرافيا السياسية وتدفق النفط الرخيص تراجعت مع تراجع الاعتماد الأميركي على النفط السعودي وبداية التقارب الأميركي – الايراني. ولكن بالرغم من ذلك ، فان الحلف السعودي – الأميركي ما زال مستمرا” وهو قائم على مصالح مشتركة . أضف، أن السعودية كزعيم روحي للعالم الاسلامي السني وكبلد نفطي أساسي وكشريك لأميركا في العمل الاستخباراتي . تحجم الأصوات الرسمية في أميركا عن انتقاد سجلها في حقوق الانسان وحقوق المرأة وفي مجال دعم الاسلام الوهابي المتطرف المناهض لأميركا. حتى أن واشنطن لم تندد بقيام المملكة بإعدام المعارض الشيخ نمر النمر لمجرد أنه تحدى العائلة المالكة .

لا تخفي السعودية دعمها للمجموعات المسلحة في سوريا، ولكنها تتجنب الحديث عن علاقتها بالسي آي اي وعن العمليات المشتركة التي تنفذانها أو عن التمويل السري الذي تقدمه. لقد تم الحصول على معلومات متفرقة جراء سلسلة مقابلات مع مسؤولين حاليين وسابقين في الوكالة السرية وفي الادارة الأميركية . معظمهم رفض الكشف عن اسمه لأنه يمنع عليهم الحديث عن البرامج السرية. حينما بدأت السي آي اي نشاطها في سوريا، كانت السعودية حاضرة دائماً لتقديم الغطاء المالي . يقول مايك روجرز، عضو الكونغرس السابق عن الحزب الجمهوري والرئيس السابق للجنة المخابرات في المجلس المذكور، أن الطرفين السعودي والأميركي يتكاملان ويحتاجان لبعضهما البعض . لا يذكر المسؤولون الأميركيون حجم الأموال التي تقدمها المملكة والذي يعتبر الأضخم بالنسبة لبرنامج دعم وتسليح المعارضة السورية ضد جيش الرئيس بشار الأسد، ولكن التقديرات الأميركية تشير الى أن التمويل السعودي يبلغ عدة مليارات من الدولارات .

وافق الكونغرس الأميركي على الدور السعودي السري في تمويل العمليات الخاصة، كما رحب بالدور القطري والأوروبي والتركي في دعم المعارضة السورية في اللحظة التي دعا فيها الرئيس أوباما دول الخليج بأن تقوم بجهود أمنية أكبر في صراع المنطقة.

في ربيع العام 2013 ، حدثت النقلة النوعية في علاقات التعاون بين الاستخبارات السعودية و الاميركية في سوريا ولذلك قرر أوباما تغطية هذا النشاط سياسيا” من خلال موافقته على تطبيق برنامج “تيمبر سيكامور” السري. أتت هذه الموافقة ضمن اتجاه أميركي وغربي لملىء فراغ الأماكن التي باتت غير مشغولة من قبلهم في بعض مناطق الشرق الأوسط بسبب تطورات الصراع في المنطقة أيام بوش الابن . و لكن يلاحظ أن السعوديين والقطريين بدأوا قبل مرحلة موافقة أوباما على البرنامج بارسال الأسلحة الى المعارضة السورية منذ ربيع 2012 . حتى أن القطريين تجاوزوا الخطوط الحمر وتمكنوا من تهريب شحنة محملة بصواريخ صينية fn-6 مضادة للطائرات ( تطلق عن الكتف) الى جماعات معارضة في حلب عبر الحدود التركية.

النشاط الاستخباراتي السعودي كان بإدارة الأمير بندر بن سلطان الذي أمر رجال الأمن التابعين له بشراء آلاف بنادق الكلاشينكوف وملايين الطلقات وكميات كبيرة من الذخائر من دول  أوروبا الشرقية وذلك لحساب المعارضة السورية المسلحة. وفي هذا الاطار ساهمت السي آي اي في مساندة السعوديين ليتمكنوا من ابرام صفقات الأسلحة تلك وبخاصة مع حكومة كرواتيا سنة 2012 .

بعد صيف 2012 تحولت المناطق الحدودية مع سوريا الى معابر لتهريب السلاح للمتمردين السوريين والتي استخدمها الخليجيون في تمرير شحنات السلاح وكميات المال الى جماعات المعارضة التي ينتمي بعضها الى شبكة القاعدة . في هذه الأثناء عملت المخابرات الأميركية في إطار برنامج ” تيمبر سيكامور” السري لتدريب المعارضين السوريين. في البداية كان البرنامج المذكور لا يتضمن تأمين السلاح لهذه الجماعات المتمردة. حتى أن ديفيد بترايوس، مدير السي آي اي اعترض في نهاية العام 2013 على ارسال القطريين و السعوديين أسلحة و صواريخ الى المعارضة السورية و حذرهم من عدم فعل ذلك  بدون التنسيق مع ضباط السي آي اي. كان الاتجاه الأميركي حتى تلك المرحلة يتحدث عن تمرير سلاح غير قاتل للمعارضة السورية: أجهزة اتصالات واشارة وذخائر لأسلحة متوسطة. كان التبرير الأميركي هو الخشية من أن تصل الأسلحة (ولا سيما الصواريخ المضادة للطائرات مثل الSam-7) الى الأيدي الخطأ، أي القاعدة. لكن خلال هذه المرحلة بذل بندر بن سلطان الذي توجد له علاقات قوية داخل السي آي اي جهودا” كبيرا” للضغط من داخل أميركا على البيت الأبيض لتغيير سلوكه لمصلحة امداد المعارضة السورية بسلاح نوعي، خاصة مضادات الدروع. ونجح بتحقيق هذا الأمر بفعل تشاركه مع السفير روبرت فورت مسؤول المعارضة السورية في خلية الأزمة السورية التي شكلها البيت الابيض. وعام 2013 أعطى أوباما موافقته على تزويد المعارضين السوريين بالسلاح انطلاقا” من قاعدة في الأردن استحدثت لهذا الغرض . وبدأ تفعيل برنامج “تيمبر سيكامور” السري بين الاستخبارات الأميركية والسعودية وبموجبه تولت الأخيرة تمويل صفقات السلاح والأولى التدريب والحصول على السلاح. خلال هذه الفترة بلغت العلاقة بين فورت وبندر ذروة التناغم. وأخذ بندر يرسل ممثلي المجموعات المسلحة الى الأردن للقاء مسؤولي جهاز السي آي اي هناك، وكان فورت يزكّيهم أمام الوكالة الاستخبارية الأميركية. وحينها رفع فورت شعاره الذي تسرب لاحقا” ومفاده أنه يجب علينا العمل لجعل الرئيس الأسد يخشى من أن تهاجمه جبهة النصرة في غرفة نومه. راهن السعوديون منذ البداية على أن الضغط العسكري في سوريا سيؤدي الى اسقاطه (الأسد) أو أقله سيمنحهم مقعدا” حول طاولة مفاوضات مستقبل سوريا. أما روبرت فورت فقد راهن على أن النصرة ستجعل الأسد يهرع الى طاولة التفاوض مع المعارضة خائفا” وصاغرا”. مؤخرا”، وخلال العام الماضي تم اقصاء بندر بن سلطان من رئاسة جهاز الاستخبارات العامة السعودية. اعتبر ذلك صدمة لتراث التنسيق الاستخباراتي السعودي – الاميركي، وأيضا” اشارة تراجع أميركية عن المضي قدما” و بنفس الزخم بتسليح المعارضة السورية بالتشارك مع السي آي اي. ولكن المعلومات تقول أن استقالة بندر تعبر عن انتقال الملف السوري في الرياض من المخابرات الى وزارة الداخلية التي يديرها الآن ولي العهد الأمير محمد بن نايف. التركيز الاستخباراتي الأميركي – السعودي انتقل الى عمليات تدريب جيش للمعارضة (15 ألف عنصر ؟) يكون منظما” ومعتدلا” و يحل مكان داعش والنصرة. ولكن هذه التجربة فشلت بشكل ذريع وكلفت الخزينة الأميركية أكثر من نصف مليار دولار. معظم الذين دربتهم أميركا بتمويل قطري و سعودي هربوا لاحقا” الى النصرة أو داعش. الآن، يوجد نوع من الارباك داخل أوساط المخابرات السعودية والأميركية حول قضية كيف يتم صياغة مقاربة جديدة للعمل المشترك في سوريا؟؟. الاجابة لا تزال غير متاحة حتى الآن. ولكن في هذا الوقت يستمر السعوديون و القطريون عبر تركيا وسكك أخرى بتهريب السلاح للمعارضة أم بشكل افرادي أو بتنسيق مع السي آي اي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: